في الدرس الأخير قبيل التخرّج طُلب مني ان أحضر فيم وثائقي مدته خمس دقائق. 

كنت قد سمعت عن برنامج لأسرى مؤبدون يشاركون في محو الأمية. بعضهم مدان بالإعدام. طلبت إذن لتوثيق قصتهم. أجريت مقابلة مع مدانين بجريمة القتل، والتجربة كانت آسرة بكل معنى الكلمة. تسنى لي لقاء بشر لم أكن لألقاهم بأي مناسبة أخرى. سماع قصصهم وطريقة تفكيرهم. أنهيت فيلمل الوثائقي الأول "مدان للدراسة"، بعد عام ونصف. تفاجأت جداً حين تم ترشيح الفيلم في مهرجان بومبيدو في باريس، مهرجان مرموق وعالمي يحمل اسم "معالم في تاريخ الفيلم الوثائقي الأمريكي". في باريس التقيت بكبار مخرجي الوثائقي الذين تعلمت عنهم في المدرسة: آل مسلي، ريتشارد ليكوك، روس مكلوي، الان برلينر وغيرهم. تم عرض فيلمي إلى جانب أفلام تابعة لكبار الفنانين. كانت تلك لحظة محورية في حياتي. 

25 عاماً بعد فيلمي الوثائقي الأول، أنتجت سلسلة "داخل الموساد". الجلوس مع أعضاء موساد سريّون، الذيم لم أكن لألقاهم في ظروف أخرى، ذكّرني في فيلمي الأول عن الأسرى - تجربة أخذتني إلى مكان قريب وانساني مع أشخاص عادة ما يكونوا بعيدون عن الأعين. صناعة الأفلام الوثائقية هي رحلة ساحرة، وأحياناً ما تكون مؤلمة وخادشة. لكنها تكشف أسراراً عن ماهية العالم، عن إدراكنا للواقع و إيصاله للمشاهد. 

من هو دوكي

ولد في تل أبيب وتعلم في جامعة كاليفورنيا وجامعة كولومبيا في شيكاغو. دوكي درور درويش حاز على جوائز دولية في مجال السينما الوثائقية. تتطرّق أفلامه الوفيرة إلى مواضيع متنوعة - بدءاً من مسيرة شخصيات، سيَر ذاتية تجريبية، أفلام استقصائية وأحداث تاريخية - منها ما حاز على تقدير عالمي ونجاح. باسلوبه الحساس، لغته السينمائية الثرية الرائدة وطريقته بنسج القصص، يحاور درور مسائل إنسانية ومعضلات حياتية من شأنها تحدّي معارف الفرد ونظرته. 

ترعرتُ في تل أبيب وفي الثانوية تعلمتُ التصوير. كنت أذهب مع الكاميرا إلى نهر اليركون الرديء وأصوّر خردوات، بقايا حُقن، حيوانات ميتة وأجسام أخرى حملتها المياه إلى الضفاف. كان ذلك بمثابة دخول إلى أحشاء وحشٍ وتوثيق ما هو خفي عن الأعين. 

 

لاحقاً ذهبت إلى الولايات المتحدة وبدأت التعليم في شيكاغو ولوس انجلوس. استمدت وحيي من الموجة الفرنسية الحديثة، غودار وآلان رينيه والسينما التجريبية مثل نورمان مكلارن وافلامه المجردة المرسومة على شريط الفيلم نفسه. لحظة اكتشافي هذه الأفلام، بتّ مفتوناً. طيلة فترة دراستي، حتى بداية الفصل الأخير، كانت كل أفلامي مكتوبة مسبقاً ولم يكن لدي ميول للوثائقي.